عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
158
اللباب في علوم الكتاب
عند ذلك الدّعاء صار مريدا له لزم وقوع التّغير في ذات اللّه ، وفي صفاته ، وهو محال ، وعلى هذا التقدير بصير إقدام العبد على الدّعاء علّة لحدوث صفة في ذات اللّه - تعالى - فيكون العبد متصرّفا في صفة اللّه - تعالى - بالتّبديل والتّغيير ، وهو محال . الثالث : أنّ المطلوب بالدّعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءه ، فهو تعالى يعطيه من غير هذا الدّعاء ؛ لأنّه منزّه عن أن يكون بخيلا ، وإن اقتضت الحكمة منعه فهو لا يعطيه سواء أقدم العبد على الدّعاء ، أو لم يقدّم عليه . الرابع : أنّ الدّعاء غير الأمر ، ولا تفاوت بين البابين إلا كون الدّاعي أقلّ رتبة ، وكون الآمر أعلى رتبة ، وإقدام العبد على أمر اللّه سوء أدب وإنه لا يجوز . الخامس : الدّعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على إرشاد ربّه وإلهه إلى فعل الأصلح والأصوب ، وذلك سوء أدب ، أو أنّه ينبه الإله على شيء ما كان منتبها له ، وذلك كفر ، وأنّ اللّه تعالى قصّر في الإحسان والفضل ، وذلك جهل . السادس : أنّ الإقدام على الدّعاء يدلّ على كون العبد غير راض بالقضاء ، إذ لو رضي بما قضاه اللّه عليه لترك تصرّف نفسه ، ولما طلب من اللّه شيئا على التّعيين ، وترك الرّضا بالقضاء من المنكرات . السابع : روي أنّه عليه الصّلاة والسّلام قال حاكيا عن اللّه - تعالى - « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين » « 1 » وذلك يدلّ على أنّ الأولى ترك الدّعاء . الثامن : أنّ علم اللّه - تعالى - محيط بحاجة العبد ، والعبد إذا علم أن مولاه عالم باحتياجه فسكت ولم يذكر تلك الحاجة ، كان ذلك أدخل في الأدب ، وفي تعظيم المولى ، ممّا إذا أخذ يشرح كيفيّة تلك الحاجة ، وإذا كان الحال على هذا الوجه في الشاهد ؛ وجب اعتبار مثله في حقّ اللّه - تعالى - ، وكذلك نقل أن الخليل - عليه الصّلاة والسّلام - لمّا وضع في المنجنيق للرّمي إلى النّار قال له جبريل - عليه السّلام - : « ادع ربّك » ، فقال الخليل - عليه السّلام - : « حسبي من سؤالي علمه بحالي » . والجواب : أنّ الدّعاء نوع من أنواع العبادة ، والأسئلة المذكورة واردة في جميع أنواع العبادات ، فإنّه يقال : إن كان هذا الإنسان سعيدا في علم اللّه فلا حاجة إلى الطّاعات والعبادات ، وإن كان شقيّا في علمه ؛ فلا فائدة في تلك العبادات ، ويجب أيضا ألّا يقدم
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2 / 152 ) والدارمي ( 2 / 441 ) وابن نصر في « قيام الليل » ص ( 71 ) والبيهقي في « الأسماء والصفات » ص ( 238 ) من طريق محمد بن الحسن الهمداني عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . . فذكره قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . وقال ابن أبي حاتم في « العلل » ( 2 / 82 ) عن أبيه : هذا حديث منكر ومحمد بن الحسن ليس بالقوي . وذكره الحافظ في « الفتح » ( 9 / 54 ) وضعفه .